يرى الباحث أندرو باين أن الهجمات الأمريكية على إيران تكشف تحوّلًا واضحًا في نهج الرئيس دونالد ترامب، الذي بنى جزءًا مهمًا من صورته السياسية سابقًا على معارضة الحروب الخارجية. فقد كرّر ترامب خلال حملته الانتخابية عام 2024 أنه أول رئيس منذ جيمي كارتر لا يجرّ الولايات المتحدة إلى حرب جديدة، وأكد ليلة فوزه أنه لن يبدأ حروبًا بل سيعمل على إنهائها.
ويشير تحليل نشره تشاتام هآوس إلى أن الواقع بعد أكثر من عام على بداية الولاية الثانية يختلف كثيرًا عن تلك الوعود. فقد أجاز ترامب استخدام القوة العسكرية في سبع دول مختلفة، بينما تتزايد الانتقادات الداخلية بعد الضربات الأخيرة ضد إيران، خصوصًا مع انخفاض نسبة التأييد الشعبي للعملية العسكرية.
تحوّل الحسابات السياسية لترامب
تراجع ترامب خلال ولايته الأولى أكثر من مرة عن خطوات كادت تقود إلى مواجهة عسكرية واسعة مع إيران. ففي عام 2019 ألغى ردًا عسكريًا على إسقاط طائرة أمريكية مسيّرة بعد أن حذّره بعض مستشاريه من أن الحرب قد تدمّر فرص إعادة انتخابه. وبعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020 حاولت الإدارة الأمريكية احتواء التصعيد بسرعة حتى لا تنزلق إلى صراع واسع في عام انتخابي.
لكن المشهد تغير في الولاية الثانية. فلم يعد الرئيس مضطرًا إلى خوض انتخابات جديدة، الأمر الذي يقلل حساسيته تجاه المخاطر السياسية المرتبطة بالحرب. وتشير التحليلات إلى أن ترامب بات يفكر في إرثه السياسي أكثر من حسابات إعادة الانتخاب.
كما تغيّر محيطه السياسي. فقد انتقد الإعلامي تاكر كارلسون الضربات الأمريكية ووصفها بأنها «مقززة وشريرة»، لكن تأثيره على الرئيس تراجع مقارنة بالماضي. في المقابل يبرز صوت السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي شجع ترامب على تجاهل التحذيرات والمضي في استخدام القوة.
ولا يعد ترامب أول رئيس يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين واشنطن وطهران. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 تأرجح العلاقات بين فترات توتر ومحاولات تقارب دبلوماسي. لكن معظم الرؤساء الأمريكيين حاولوا في ولايتهم الثانية استثمار المساحة السياسية المتاحة للدبلوماسية، بينما اختار ترامب طريقًا مختلفًا عبر تصعيد عسكري واسع.
القوة العسكرية كطريق إلى السلام
يؤمن ترامب بأن استخدام القوة لا يتعارض مع هدف تحقيق السلام، بل قد يشكل وسيلة للوصول إليه. فقد عبّر مرارًا عن قناعته بأن التفوق العسكري يمكن أن يفرض الاستقرار ويمنع التهديدات.
وخلال مناسبات عامة أشاد بضربات سابقة استهدفت منشآت نووية إيرانية، واعتبرها خطوة نحو تحقيق «الهدف النهائي وهو السلام». كما تفاخر بعمليات عسكرية ضد جماعات متشددة في مناطق مختلفة، مثل القضاء على قادة تنظيم داعش في سوريا أو تنفيذ عمليات ضد جماعات مسلحة في دول أخرى.
ويكشف هذا التوجه عن مفارقة في صورة ترامب السياسية. فالبعض يصفه بالانعزالي، لكن سجله يظهر ميلًا واضحًا إلى استخدام القوة العسكرية بصورة متقطعة وحاسمة. وغالبًا ما يفاخر بعمليات اغتيال شخصيات بارزة مثل زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي أو قاسم سليماني.
الرأي العام الأمريكي ومعضلة الحرب
تعكس مواقف الناخبين الأمريكيين تناقضًا واضحًا في قضايا السياسة الخارجية. فمن جهة يعارض كثيرون الحروب الطويلة والمكلفة التي تفرض خسائر بشرية واقتصادية كبيرة. ومن جهة أخرى يعبّر الرأي العام عن قلق كبير تجاه التهديدات العالمية، ويدعم استخدام القوة العسكرية لمواجهتها.
تظهر استطلاعات الرأي أن البرنامج النووي الإيراني يحتل موقعًا متقدمًا في قائمة المخاوف لدى الأمريكيين. فقد اعتبر 77 في المئة من المشاركين في استطلاع أجرته مؤسسة جالوب عام 2024 أن امتلاك إيران سلاحًا نوويًا يمثل تهديدًا خطيرًا. كما أظهر استطلاع لشبكة CBS قبل الضربات العسكرية بأيام أن 51 في المئة من الأمريكيين يؤيدون استخدام القوة لمنع إيران من تطوير سلاح نووي.
وتشير دراسات عديدة إلى أن الناخبين يميلون إلى دعم المرشحين الذين يظهرون قدرًا من الحزم والقوة في السياسة الخارجية. ولذلك يمكن فهم قرار ترامب بضرب إيران باعتباره محاولة للاستجابة لهذا المزاج العام الذي يريد من القادة إظهار القوة دون تحمل تكاليف الحروب الطويلة.
كما يعتقد بعض المراقبين أن الرئيس يراهن على قدرته في توجيه الرأي العام. فالقضايا الخارجية غالبًا ما تبقى بعيدة عن اهتمام معظم الناخبين، الذين يعتمدون على إشارات القادة السياسيين لفهم الأحداث الدولية. وتاريخيًا يظهر كثير من الأمريكيين ميلًا إلى الالتفاف حول القيادة السياسية بعد العمليات العسكرية الكبرى.
ما الذي قد يحدث لاحقًا؟
تشير تجارب تاريخية عديدة إلى أن الخطر السياسي الأكبر لا يكمن في بدء الحرب بحد ذاته، بل في الفشل في تحقيق نصر مقبول الكلفة. وقد يمنح الغموض النسبي في أهداف الإدارة الأمريكية ترامب مساحة لإعلان النجاح إذا بدأت التكاليف السياسية أو الاقتصادية في الارتفاع.
لكن استمرار الخسائر أو اضطراب أسواق النفط قد يغير المعادلة سريعًا. فإذا انعكست الحرب على أسعار الطاقة أو على الاقتصاد الأمريكي، فقد يتراجع الدعم الشعبي للعملية العسكرية.
وهكذا تساعد الظروف السياسية داخل الولايات المتحدة على فهم أسباب قرار ترامب بالتصعيد العسكري. لكنها في الوقت نفسه توضح كيف يمكن أن تتحول الحرب إلى عبء سياسي على الرئيس إذا طال أمدها أو ارتفعت كلفتها دون تحقيق نتائج واضحة.
https://www.chathamhouse.org/2026/03/trump-polls-and-war-iran-what-happened-president-peace

